ما الذي أتحدث عنه عندما أتحدث عن القباحة

 «الجمال، هو على نحوٍ ما، مملّ. رغم أنّ مفهومه يتبدّل عبر العصور، إلّا أن الشيء الجميل دائمًا ما عليه أن يتبع قواعد معيّنة… القباحة غير متوقّعة وتقدّم مجالًا لانهائيًّا من الاحتمالات. الجمال محدود، أمّا القباحة فلا نهائيّة، مثل الله.»

أمبرتو إيكو*

The Beggars (1568) by Pieter Bruegel the Elder


لا أحد يشك في أن الجمال موضوع مستهلك: نعرفه، نمجّده، ونبني حوله ذائقة كاملة. لكن في الظلّ يقف سؤال لم يُعامل بالجدية التي يستحقها: ما الذي يجعل شيئًا ما قبيحًا؟ لا يمكننا أن نعتبر الجمال بريئًا أو معزولًا عن شبكة التعريفات والحدود التي تُعيد إنتاجه. ومن الذي لم يتورّط رغمًا عنه في تلك المعادلة السخيفة التي تساوي الجمال بالخير والقبح بالشر؟

شخصيًا أفضّل الاشارة إلى القبيح بوصفه ما يُهمَل ويُنبذ ويُستبعَد. الجمال يتبع قواعد معينة، محددة، معروفة، يمتلك الاجابات لكل شيء. ومن غير الجمال يتصدّى لوضع الأشياء في أماكنها الصحيحة؟ «الجمال لا يولد إلا من تناغمٍ دقيق لعناصر متنوّعة، كلّ منها مثبت في مكانه كترسٍ لا يجوز أن يختلّ.» يصف بوتس Bohtz الجمال داخل شبكة النظام، أما «القبح فهو خرق مباشر لهذا النظام؛ شرخٌ في اللحن، نشاز يكسر تماسك الكلّ. يكفي أن ينفلت جزء واحد من موقعه ليولد القبح فورًا.» عندما نصف شيئًا بأنه قبيح: هل لأنه فعلًا قبيح؟ هل القبح شيء كامن في ذاته؟ أم لأنه يخالف نظام الأشياء؟ كيف يمكن للقبيح أن يربك ترتيب المفاهيم (خذ لحظة وفكر في ماذا يعني أن تكون مخنّثا وما هو تعريف المخنث في اللغة العربية) وكيف يعيدنا إلى السؤال المهمَّش: ما مصدر النفور من القباحة؟ هل هو شعور فطري؟ أم ممارسة نتعلمها منذ الطفولة تحت ضغط المجتمع؟ وكيف نصل أصلًا إلى القدرة على الحكم بأن شيئًا ما قبيح؟

القبيح منبوذ لأنه، مخنث، منحط، هجين، غير متناسق، هو ما لا يُطاق ولا يمكن إدخاله في أي نظام؛ ما يعصف بالترتيب ويبعث على الغثيان؛ أو بتعبير آخر: ما نلوذ بالابتعاد عنه، الفضلات، العفن، الجثث، والمنسيّون. كل ما يُزعج هوية «الكل» ويفضح هشاشة النظام الاجتماعي. 

القبيح يُقذَف خارج المشهد لأنه يُشعرنا بالخطأ الفاضح في المكان؛ شيء وضع حيث لا يستحق، أو غاب حيث كان «ينبغي أن يكون». ينكشف كعلامة خلل. مواجهة القبح فعل مرهق، أشبه بأن تُجبر نفسك على النظر إلى ما يريد جسدك الهرب منه فورًا. في كتاب «هاوية الحرّية» يجادل سلافوي جيجك الفكرة نفسها: القبيح ليس سوى جسم تائه في موضع معطوب، شيءٌ اقتحم مكانًا لا يخصّه، شيء «لا ينبغي أن يكون هنا».

في هذه الحالة تصبح المدافعة عن القبيح، بطريقة ما، تحرّر من ضغط المجتمع حين يحدّد لك مسبقًا «ما يجب أن يكون جميلًا». كثيرون لا يدركون بأنّ الحكم على شيء بأنه قبيح يفترض مسبقًا وجود معيار لما هو «جميل» نحتكم إليه. لكن السؤال يبقى متروكًا بلا إجابة: كيف نحكم بأن هذا أو ذاك قبيح؟ هل نحكم على الشيء القبيح لأنه يذكّرنا بطريقة لاواعية بالألم؟ أوالخوف؟ أوالقرف؟ فالبشرة الشاحبة، الصفراء، المتجعّدة تُعَدّ قبيحة لأنها علامة على المرض والشيخوخة، وهذان كلاهما مرتبطان بالألم والموت. لكن من يحدد أن الموت قبيح؟ الموت نفسه ليس قبيحًا على الإطلاق -على الأقل بالنسبة لي- لأنه يخلّصنا من الكثير من البؤس. لديفيد هيوم ملاحظة ذكية بأن الأحكام الجمالية تعتمد أولًا وآخرًا على الشعور، أيّ على ما يحدث فينا لحظة التلقي. نجد البناية المائلة أو المشوّهة «قبيحة» لأنها تشعرنا بعدم الراحة والخطر القادم نحونا. هل القبح في الشيء، أم في الارتباك الذي نشعر به أمامه؟

أيضا هناك جانبًا آخر: اللذة في التعرض للقبيح، أو الرغبة في مشاهدة القباحة. مشاهدة فيلم رعب على سبيل المثال في الحقيقة، ليست سوى رغبة مازوخية في استقبال الألم أو القرف. ما الذي يجعل الإنسان يعود مجددًا إلى شيء سبّب له اضطرابًا؟ لماذا تجذبنا الأعمال القبيحة إلى داخلها؟ يرى برنارد من كليرفو Bernard of Clairvaux أن الفن القبيح قد يكون فاتنًا إلى درجة تجعلنا عاجزين عن مقاومته، حتى حين «يجب» علينا رفضه. فالمتعة والاشمئزاز قادران على الحضور معًا في اللحظة ذاتها. يخبرنا التحليل النفسي أن البشر قد يخلطون بين الألم واللذة في تجاربهم، بل وأحيانًا يبحثون عن الألم كطريق غير مباشر إلى اللذة. من يفسّر لنا لماذا «جحيم» دانتي يجذب قرّاء أكثر من «الفردوس»؟ وقد أظهرت الأرقام أن زوّار متحف برادو في مدريد يقضون وقتًا أطول في تأمّل المشهد الجحيمي المروّع في ثلاثية بوش Hieronymus Bosch «حديقة اللذّات الأرضية» مقارنة باللوحتين الأخريين. يبدو أن هذا الميل ينبع من فضول بشري شره (وربما غير واعٍ) لاستكشاف القبح والتحديق في فوضاه. 

انتبه ليوناردو دافينشي في القرن السادس عشر إلى هذه المفارقة منذ زمن طويل، يقول: «يبدو أن الجمال والقبح يزداد تأثير كلٍّ منهما بوجود الآخر. فمن النادر أن لا يستفيد العمل الفني من التوتر بين المتضادّات.» الأعمال القبيحة غالبًا ما تواجهنا بأشكال غامضة أو مشوّهة يصعب فهمها، قد تدفع إلى الارتباك أو الإقصاء، لكنها أيضًا تتحدّى قدرتنا التفسيرية، تدفعنا لنبش ما وراء الظاهر في محاولة لكشف المعاني المطمورة تحت ركام الأحكام المسبقة. و«مهمة الفنان إزعاج الإنسان» هكذا يقترح  لوسيان فرويد -حفيد سيغموند فرويد- لأن «العمل العظيم يجذبنا بقوة لا إرادية، ككلب تتملّكه الغريزة ما إن يشمّ رائحة.» ومع ذلك، فالوقوف أمام القبيح لا يعني بأنه قد يتحول إلى جميل، فالقبيح ذاته قد لا يتغيّر. ما يتغيّر هو ما نُدخله نحن تحت مفهوم القبح.

 

«وما الجمال ليس إلا سوى بداية الرعب

وما علينا إلا تحمله

ونحن المُرَوَّعون يفنينا ويزدرينا صفاؤه.»

  راينر ريلكه*


Light Holding (2022) by Jenna Gribbon 


دائما ما كان الجسد الأنثوي في الأعمال الفنية، خصوصًا في السينما، مكشوفًا ومختزلًا إلى «لحم» معد للنظر والرغبة. وهذا يفسّر لجوء كثير من الفنانين -خاصة الفنانات- إلى القباحة كطريقة لرفض هذا التشييء. محاولة فهم الطريقة التي يصوّر بها الفن الحديث الأجساد المشوّهة بوصفها «جميلة» قد تقدّم لنا دروسًا مهمّة. فإذا كان للفن قيمة داخلية وأخرى خارجية، فقد تكون إحدى وظائفه شحذ نظرتنا للعالم كي نتجاوز الثنائيات الساذجة والبسيطة. يُذكّرنا الفن بتخلف الواقع وحاجتنا إلى نقده، ولحظة عدم المصالحة التي يتيحها الفن تسمح لنا بأن نمكث مع العناصر القبيحة والمزعجة في الواقع. هل نجرؤ على التحديق في وجه القبيح؟ هل نقدر على المكوث مع أشكال المعاناة المختلفة؟ التأمّل في مفاهيم القباحة تعطينا القدرة على البقاء مع الموضوعات التي عادةً ما تعد من المحرّمات، بدل أن نتجاوزها أو نقلّل من حدّتها. 

أمّا في الحياة الواقعية والتعامل اليومي يخرج الحديث عن كون القباحة مجرد تأمل في ماهيّة الجميل والقبيح إلى عنصرية مقيتة تقسّم الآخرين داخل فئات. وتخبرنا الأبحاث الاجتماعية التي تقيس تحيّزنا اللاواعي تجاه الجمال أن القباحة ليست ذوقًا فرديًا بل آلية قمع اجتماعية كاملة؛ إذ يعاقب من يُنظَر إليهم كـ«أقل جمالًا» عبر فجوات الأجور، تقييد الفرص، وتدني في تقدير الذات. الجمال يعمل كرأس مال يُوزّع الامتيازات، تُصبح القباحة وصمة تُقصي أصحابها من الاعتراف والعدالة. والتحيّز لا يطال البشر فقط، بل يمتد حتى للحيوانات: الجميلة تُحمى، والقبيحة يُتخلّى عنها. في هذا السياق، لا تكون القباحة صفة في الجسد، إنما حكم قاس يصدره المجتمع وفق منطق القوة، يحدّد من يستحق الحماية، ومن يُترك لمصيره.

تعليقات

  1. كتاباتك هادئة وسردك جميل ومواضيعك كذلك، لكني اشوف اقتباسك الأول لأمبرتو إيكو "الجمال هو على نحو ما.." يزعجني، ما حبيت ان لفظ الجلالة يجي في هذا السياق، ما أشوفه لائق.

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحب كحبل نجاة... أو مشنقة.

لن أفعل شيئًا اليوم.