لن أفعل شيئًا اليوم.

 


نهاية السنة دائمًا تدفعني للتوقف قليلًا. للتفكير، للمراجعة. وجدتها فرصة للكتابة عن الهوس بالإنجاز، وثقافة «لا تجلس فاضي». جميعنا اختبرنا شعور الذنب الذي يتسلل إلينا حينما ينقضي اليوم بأكمله ولم نقم بأي شيء سوى الاستماع إلى الموسيقى، الجلوس في السرير، أو التحديق في السقف. ينقضي يوم كامل في إنجاز واحد فقط: عدم الإنجازوبرغم ما في لحظات الفراغ هذه من لذّة، إلا أنها تظلّ محمّلة بالذنب، لأن المفترض ـ وفق منطق الإنجاز ـ أن نستفيد من هذا الوقت «الضائع».


يقدّم التحليل النفسي تفسيرًا لسبب حدوث ذلك؛ فنحن جميعًا نحمل في داخلنا صورة ذاتية مثالية، تُسمّى «الأنا المثالية» وهي بقايا اعتقاد لاواعي بالكمال، انتقلت إلينا منذ الطفولة المبكرة عبر الوالدين. وعلى حد تعبير فرويد الساخر، نكون في نظر الوالدين «جلالة الطفل». نعم، من الممكن أن يلعب هذا الشعور دورًا محفّزًا للطموح والإبداع، لكنه في الوقت ذاته قابل لأن يتحول إلى جرثومة خبيثة تولّد فينا شعور العار، والإقامة الدائمة تحت سقف التوقعات. في لحظات الهدوء والصفاء، يظهر القلق في صورة «لو»: لو أن هذا الوقت من المفترض أن يكون للتعلّم واكتساب مهارة جديدة «حتى أطوّر من نفسي» هل هذا يكفي؟ أم أحتاج إلى المزيد حتى أكون كفاية؟ شعور يتغذّى على حقيقة أن هناك دائمًا فجوة مؤلمة بين ما نحن عليه، وما نشعر أننا يجب أن نكونه. أريد أن أكون ذاك الطفل «المحبوب» الذي شاهد الابتسامة مرة على وجه من يُحب. أريد أن أقبض على اللحظة ـ ولأنها لحظة لا تعود، كما هي طبيعة اللحظات ـ يبقى ذلك الطفل فينا عائشًا على ذكرى الماضي في الحاضر. وحين يأتينا لاحقًا الخبر الذي لا مفر منه ـ أننا لسنا كاملين كما ظنّوا ـ نحاول تعويضه بأن نقيم داخل أنفسنا صورة لذلك الكمال الأول المفقود.




قضيت سنتين عاطلًا عن العمل (كانت على عكس المتوقع أصدق وأجمل أيامي)  ولكن عندما ألتقي بأحد الأصدقاء بعد غياب طويل، أول سؤال كريه أواجهه: «لقيت وظيفة؟» أو «طيب، قدّمت على دورات؟ لأن محد راح يوظفك لو عرف أنك قضيت سنتين بدون عمل أو شهادة». طريف هذا الحوار المتكرر، لكنه حقيقة في ثقافة لينكدإن التي تحصر قيمة الفرد بالإنتاج. في لحظة ما، توقفت عن التبرير للجميع. أعلم جيدًا أنه من السهل أن يدخل الإنسان في سلسلة من الاستجوابات الذاتية حول أحقية هذه المتعة. الأنا المثالية لا تسمح لك بهذه اللحظات من المتعة، إلا لو كانت تحمل بعضًا من اللذة المازوخية التي تحاول أن تعيدك إلى شعور تعرفه جيدًا: شعور الذنب. وفي ملاحظة ذكية للمحلل النفسي جوش كوهين (Josh Cohen)، يقول: «في ثقافة العمل المعاصرة تُستهدف الأنا المثالية بسهولة، وسط ضغوط لا تهدأ ورسائل مستمرة تطالبنا بأن نكون في أقصى طاقاتنا دائمًا». هذه الأنا المثالية التي تطلب منا على الدوام أن نكون ذلك الشخص الذي لن نكونه أبدًا؛ الوعد المؤجَّل هناك، والذي ما إن نصل إليه حتى لا نجد سوى الفراغ في انتظارنا ليلتهمنا. وهكذا يتحول الفرد إلى مطارد لـ«جودو»، يركض خلف ما لا يُدرَك. الأنا المثالية سيّدٌ غريب وملتبس. فهي تُقيم نفسها داخلنا بوصفها حليفًا محبًّا لا يريد لنا سوى الخير، ولذلك تصبح مقاومتها أو التمرّد عليها أمرًا بالغ الصعوبة.

 في ثقافة تتعامل مع الأفراد بمنطق جداول الحضور والغياب، يصبح من لا يقدّم ما يثبت «فاعليته» عبئًا. وحتى إن لم يكن لديك ما تقدّمه، يُطلب منك الأداء والتمثيل مع الآخرين، إلى أن يتحول الأمر إلى هزلية يشارك فيها الجميع. مع الوقت، يصبح التمثيل مرهقًا إلى حد الرغبة في التلاشي. يكتب جوش كوهين عن هذه الحالة قائلًا: «المريض الذي يتخيّل انسحابًا مؤقتًا إلى الموت أو الاختفاء إنما يتحدّث، في الغالب، من الحالة نفسها من الإرهاق القَلِق؛ تلك المنطقة الملتبسة بين البدء والتوقّف.» إنها مفارقة محبطة في التجربة الإنسانية: حتى الرغبة في اللارغبة هي، في النهاية أيضًا، رغبة. فلا يمكن للمرء أن لا يرغب، من دون أن يقع في فخاخ الرغبة ذاتها. وربما ما نسميه (Burnout-الاحتراق النفسي) هو بالضبط أزمة هذا السيناريو المألوف، شعور بالاغتراب المفاجئ عن الدور الذي ظللنا زمنًا طويلًا نعرّف أنفسنا من خلاله.


«الكسل هو الفضيلة الوحيدة التي تتيح لنا التفكير بعمق.»

-أوسكار وايلد


Tracey Emin, My Bed

في مقابلة مع جوليان شنابل، تحدثت إ(يمين-Emin) عن أصل العمل، عن تلك اللحظة التي عادت فيها من الحمّام لترى الفوضى والتحلّل والقذارة التي صار عليها سريرها، ثم تخيّلت المشهد نفسه منقولًا إلى معرض أبيض. تقول: «وفي تلك اللحظة رأيته، وبدا رائعًا بشكل لا يصدق. وفكرت: هذا لن يكون أسوأ مكان أموت فيه؛ إنه مكان جميل أبقاني على قيد الحياة». 




مفارقة العمل (My Bed – سريري) هي أنها تحوّل التجربة من خلال عدم القيام بشيء، بالسماح لها بأن تكون بالضبط ما هي عليه. نحن لسنا آلات تعمل بلا انقطاع، كما تذكّرنا إيمين؛ فثقل الحزن والتعب لا يمكن القفز فوقه بإرادة صلبة. وفي لحظة ما، يصبح التوقف ضرورة لا خيارًا. الفن قوة مضادة للجاذبية

لماذا يجب أن أركض؟ ومتى ينبغي لي أن أتوقف؟ أسئلة من المهم أن يعيد الفرد طرحها بين الحين والآخر. حتى في الحياة العملية الشاقّة تبدو هذه الأسئلة مختلفة، لأن الفرد يعلم أنه يستطيع التوقف متى شاء. وفي بعض الأحيان، لا يكون التوقف تحديًا لقواعد اللعبة بقدر ما يكون رفضًا للمشاركة من الأساس. وربما يكون قول «لن أفعل شيئًا اليوم!» مستفزًا، لأنه يلمّح إلى احتمال أن تُعاش الحياة دون هدف محدد، أو دون رغبة واضحة.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحب كحبل نجاة... أو مشنقة.

ما الذي أتحدث عنه عندما أتحدث عن القباحة