المشاركات

كانوا يطلقون ‏على هذا الخوف إسم الحياة.

صورة
  بصفتي طفلاً صغيراً، كنت أشعر في قلبي بشعورين متناقضين: رعب الحياة ونشوة الحياة." (بودلير) "الحياة ليست سوى سلسلة من الأبواب الموصدة، ونحن نقضي العمر كله في تجربة مفاتيح صدئة." (يانيس ريتسوس) لأستاذة علم النفس وطب الإدمان «آنا ليمبكي» كتاب بعنوان «أمة الدوبامين» ، قرأت العنوان قبل سنتين، لم أقرأ الكتاب إلى الآن، لكن بقي العنوان معي يذكرني بين الفينة والأخرى بحقيقة العالم الذي تورطنا فيه. في تصاعدٍ ملفت ومبهر فيما يخص الحياة الحديثة وسرعتها، أصبحت الدهشة وكل ما هو جديد هي ما يعيد تعريف الحياة «الجيدة» ، أو بالأصح الحياة «المرغوبة» . بعد أن انتهيت من رواية سالي روني (Sally Rooney) الرائعة «Intermezzo - فاصل مسرحي» عادت لي الرغبة الملحة في الكتابة عن هذه النوعية من الأعمال الأدبية التي تعيد قراءة الحياة اليومية بصورتها المبتذلة بعيداً عن صخب ثقافة الدوبامين.  ما الذي حدث لهذا النوع من الأعمال الأدبية التي تتأمّل في الحياة العادية و «المملة» ؟ ما هو الملل في الأساس؟ وما الذي يمكن للملل أن يقدمه لنا؟ هذه الأعمال التي لطالما جذبني سحرها (لا أستطيع أن أحدد ما هو الجذ...

الحب كحبل نجاة... أو مشنقة.

صورة
  «العائلة ليست ملجأً من العالم، بل نسخته المصغّرة: فيها الحب، وفيها القسوة، وفيها سوء الفهم الذي لا يُشفى منه أحد. ومع ذلك، نظل نعود إليها كما يعود المرء إلى جرحٍ يعرف شكله جيدًا.» عاموس عوز* «الحب ليس أن تعطي الآخر ما يحتاجه، بل أن تعطيه ما يفتقده، ما لا يملكه، وما لا يستطيع حتى أن يطلبه». سلافوي جيجيك* يروي بول فيرهايخه Paul Verhaeghe عن لوسيان إسرائيل حكاية معروفة في كتابه «الحب في زمن الوحدة-Love in a Time of Loneliness» تعود إلى بدايات عمله كمحلّل نفسي؛ كان يعالج امرأة تعجز عن بلوغ الذروة الجنسية. كانت جلسات العلاج تسير على نحو جيّد إلى درجة أن المرأة أخبرته في مرحلة ما بأنها بلغت الذروة الجنسية أخيرًا. إلا أنها لم تلبث أن أنزلت المحلّل السعيد إلى أرض الواقع حين قالت: «والآن لم أعد أريد أن أمارس الجنس معه» . هذه الحكاية الصغيرة تختصر مأزق الرغبة كلّه. فالمرأة في القصة ليست استثناءً، إنها نحن بشكلٍ أو بآخر؛ رغبت في شيء لم تكن تريده.  يكشف التحليل النفسي عن هذه الحقيقة المربكة: أننا نرغب في ما لا نريده، ونريد ما لا نرغبه، ولا تصبح الرغبة رغبةً إلا من خلال هذه ا...

لن أفعل شيئًا اليوم.

صورة
  نهاية السنة دائمًا تدفعني للتوقف قليلًا. للتفكير،  للمراجعة.  وجدتها فرصة للكتابة عن  الهوس بالإنجاز، وثقافة «لا تجلس فاضي». جميعنا اختبرنا شعور الذنب الذي يتسلل إلينا حينما ينقضي اليوم بأكمله ولم نقم بأي شيء سوى الاستماع إلى الموسيقى، الجلوس في السرير، أو التحديق في السقف. ينقضي يوم كامل في إنجاز واحد فقط:  عدم الإنجاز .  وبرغم ما في لحظات الفراغ هذه من لذّة، إلا أنها تظلّ محمّلة بالذنب، لأن المفترض ـ وفق منطق الإنجاز ـ أن نستفيد من هذا الوقت «الضائع». يقدّم التحليل النفسي تفسيرًا لسبب حدوث ذلك؛ فنحن جميعًا نحمل في داخلنا صورة ذاتية مثالية، تُسمّى «الأنا المثالية» وهي بقايا اعتقاد لاواعي بالكمال، انتقلت إلينا منذ الطفولة المبكرة عبر الوالدين. وعلى حد تعبير فرويد الساخر، نكون في نظر الوالدين «جلالة الطفل». نعم، من الممكن أن يلعب هذا الشعور دورًا محفّزًا للطموح والإبداع، لكنه في الوقت ذاته قابل لأن يتحول إلى جرثومة خبيثة تولّد فينا شعور العار، والإقامة الدائمة تحت سقف التوقعات.  في لحظات الهدوء والصفاء، يظهر القلق في صورة «لو»: لو أن هذا الوقت من المف...

ما الذي أتحدث عنه عندما أتحدث عن القباحة

صورة
  «الجمال، هو على نحوٍ ما، مملّ. رغم أنّ مفهومه يتبدّل عبر العصور، إلّا أن الشيء الجميل دائمًا ما عليه أن يتبع قواعد معيّنة… القباحة غير متوقّعة وتقدّم مجالًا لانهائيًّا من الاحتمالات. الجمال محدود، أمّا القباحة فلا نهائيّة، مثل الله.» أمبرتو إيكو* The Beggars (1568) by Pieter Bruegel the Elder لا أحد يشك في أن الجمال موضوع مستهلك: نعرفه، نمجّده، ونبني حوله ذائقة كاملة. لكن في الظلّ يقف سؤال لم يُعامل بالجدية التي يستحقها: ما الذي يجعل شيئًا ما قبيحًا؟ لا يمكننا أن نعتبر الجمال بريئًا أو معزولًا عن شبكة التعريفات والحدود التي تُعيد إنتاجه. ومن الذي لم يتورّط رغمًا عنه في تلك المعادلة السخيفة التي تساوي الجمال بالخير والقبح بالشر؟ شخصيًا أفضّل الاشارة إلى القبيح بوصفه ما يُهمَل ويُنبذ ويُستبعَد. الجمال يتبع قواعد معينة، محددة، معروفة، يمتلك الاجابات لكل شيء. ومن غير الجمال يتصدّى لوضع الأشياء في أماكنها الصحيحة؟ «الجمال لا يولد إلا من تناغمٍ دقيق لعناصر متنوّعة، كلّ منها مثبت في مكانه كترسٍ لا يجوز أن يختلّ.» يصف بوتس Bohtz الجمال داخل شبكة النظام، أما «القبح فهو خرق مباشر لهذ...