الحب كحبل نجاة... أو مشنقة.
«العائلة ليست ملجأً من العالم، بل نسخته المصغّرة: فيها الحب، وفيها القسوة، وفيها سوء الفهم الذي لا يُشفى منه أحد. ومع ذلك، نظل نعود إليها كما يعود المرء إلى جرحٍ يعرف شكله جيدًا.»
عاموس عوز*
«الحب ليس أن تعطي الآخر ما يحتاجه، بل أن تعطيه ما يفتقده، ما لا يملكه، وما لا يستطيع حتى أن يطلبه».
سلافوي جيجيك*
يروي بول فيرهايخه Paul Verhaeghe عن لوسيان إسرائيل حكاية معروفة في كتابه «الحب في زمن الوحدة-Love in a Time of Loneliness» تعود إلى بدايات عمله كمحلّل نفسي؛ كان يعالج امرأة تعجز عن بلوغ الذروة الجنسية. كانت جلسات العلاج تسير على نحو جيّد إلى درجة أن المرأة أخبرته في مرحلة ما بأنها بلغت الذروة الجنسية أخيرًا. إلا أنها لم تلبث أن أنزلت المحلّل السعيد إلى أرض الواقع حين قالت: «والآن لم أعد أريد أن أمارس الجنس معه». هذه الحكاية الصغيرة تختصر مأزق الرغبة كلّه. فالمرأة في القصة ليست استثناءً، إنها نحن بشكلٍ أو بآخر؛ رغبت في شيء لم تكن تريده.
يكشف التحليل النفسي عن هذه الحقيقة المربكة: أننا نرغب في ما لا نريده، ونريد ما لا نرغبه، ولا تصبح الرغبة رغبةً إلا من خلال هذه المفارقة الساخرة؛ رغباتنا تحمل في داخلها ما يُفسدها، فلا يمنحنا تحقيقها سوى الالتباس.
ما يجعل الرغبة عصيّة على الفهم أنها لا تمرّ عبر علاقة مباشرة بين الراغب وموضوع رغبته، بل عبر شبكة معقّدة من التمويهات والأكاذيب والأخيلة. في طلبنا من الآخر نفقد شيئًا من حقيقتنا الأولى ــ بالرغم أننا لم نمتلك تلك الحقيقة يومًا ــ . حتى اللغة قاصرة عن وصف ما نريده حقًا. يكفي أن ننظر إلى الأطفال قبل اللغة؛ نظرات الإحباط، صراخ الطفل عندما يطلب شيئًا لا اسم له، تحاول الأمّ التخمين: «طعام؟ لعبة؟» ماذا تريد؟ وفي النهاية، يستسلم الطفل لما يُقدَّم له.
يُقال إن اللغة جسر للتواصل، لكنها جسر يخلق في الوقت نفسه الهوّة التي تبتلع من يعبر فوقها؛ وما يقع تحت هذا الجسر مفقود إلى الأبد.
من السهل أن نقول: «أنا أرغب». الأصعب هو أن نسأل: كيف تشكّلت هذه الرغبة؟ ولماذا هذه بالذات؟
من منظور التحليل النفسي، الرغبة هي دائمًا استعادة لقديم ضائع، لا اكتشاف. فكلّ عثور على موضوع للحب، كما قال فرويد في عبارته الشهيرة: «the finding of an object is always the refinding of an object»، ليس إلا إعادة عثور على موضوع سابق. نحن لا نبحث إلا عمّا عرفناه من قبل، ولو على نحوٍ مشوّه. هل لهذا تزعجنا فكرة أن ما نبحث عنه قد يكون حاضرًا فينا منذ البداية؟ هل أبحث عن أمي في كل علاقاتي؟ هل أكره أبي من خلال البحث عن نساء أحاول تدميرهنّ؟ (ينبغي ألّا ننسى أن العائلة هي التي شكّلت نظرتنا للحب، وهي التي لبّت حاجاتنا ورغباتنا بدرجة ما، فالبيت هو المجال الذي نختبر فيه الإحباط. ومن يستطيع أن يُشعرنا بالرضا يومًا ما هو ذاته من يستطيع أن يجعلنا نشعر بالخذلان).
في داخل الإنسان جانب يسعى إلى معرفة هذه الأسئلة، وجانب آخر يهرب منها. هذا الصراع يُغذّي أحدهما الآخر. تُخيفنا محاولة معرفة المعرفة، لأنها تضعنا في مواجهة مع حقيقة لطالما أنكرناها: قل لي ممّا تهرب، أقل لك من أنت.
«الحب والقسوة هما وجهان لنفس العملة: الرغبة في اختراق وجود الآخر، ومعرفة استحالة ذلك تمامًا.»
بيير كلوسوفسكي*
«الحب لا يهبط علينا كما يهبط القدر، بل نصنعه نحن من الخيال، ومن الرغبة، ومن أوهامنا. لذلك حين ينهار، نكتشف أننا كنا نعانق ظلًا».
تشيزاري بافيزي*
ربما نحبّ فكرتنا عن الآخر أكثر من حبّنا له. نعتقد أننا نحبّ شخصًا لأنه استثنائي بالنسبة إلينا، لكن فرويد يقترح العكس: إنه استثنائي لأننا نحبّه. فما يستميلنا ليس الآخر ذاته، بل رغبتنا وهي تُشبَع. فنحن، في الحقيقة، مجرّد كائنات مرتبطين برغبتنا أكثر مما نحن مرتبطون بالآخرين، ومتعلّقين بإشباع صورتنا النرجسية في عين الآخر أكثر من أيّ تعلّق آخر. لا يكون الآخر موضوع حبّنا بقدر ما يكون وسيط متعتنا: جسده في الحبّ الجنسي، وصورته في الحبّ غير الجنسي.
تزعجنا حقيقة أننا لا نملك معرفة يقينية بمن نحب؛ فالصورة التي نتعلّق بها قد تكون منذ البداية من صنعنا. نحبّ الصورة التي نؤلّفها، والفكرة التي نُسقِطها. وحين يخبو الحب، لا يختفي إلا الوهم، إذ كان البُعد وصعوبة المنال هما ما غذّى هذه الرغبة (ألم يؤكّد مارسيل بروست أكثر من مرة أن التملّك يُذبل كل شيء؟). ننسى أن الإنسان في تحوّل دائم، وأن الذات لا تثبت على حال. فما نظنّ أننا أمسكنا به يتضح أنه ليس إلا سرابًا يتراجع كلّما اقتربنا. ولا وجود لما يُسمّى «المعرفة» بالمعنى المطلق؛ فالمعرفة الحقيقية بالمحبوب تصبح أمرًا متعذّرًا، بل تكاد تكون مستحيلة. ولا يبقى لنا من إمكانية للإمساك بالمحبوب إلا في مخيّلتنا، في ذلك السجن الذي أكرهناه على الإقامة فيه، عندها ــ وعندها فقط ــ يمكننا إعادة تشكيل الآخر، وتجميده في تصوّراتنا، ومحاكمته داخلها.
وفق منطق الرغبة، «لا يُرى الآخر إلا كوسيلة»، ولا يُعترف به يومًا كغاية قائمة بذاتها. وما نبحث عنه حنين غامض إلى وحدة كاملة فُقدت ولا يمكن استعادتها. لهذا تنتشر أوهام مثل «نصفي الثاني» و«توأمي الروحي»: محاولات يائسة لترميم نقص لا يُرمَّم.
«الحب هو أقوى شكل من أشكال المقاومة في عالم يريدنا منعزلين.»
آلان باديو*
قد تبدو هذه النظرة إلى الحب متشائمة، لأنها تؤكّد أن رغبتنا، بحكم بنيتنا النفسية، مشدودة دائمًا إلى رغبة الآخر، وأن وجودنا يعتمد كليًا على هذا الاعتماد، ولا يمكن لنا الهروب من هذه العلاقة مهما تنكّرنا لها. وهذا النقص هو ما يجعلنا نحن. كتب فرانسوا دو لا روشيفوكو ساخرًا: «قيود الزواج ثقيلة إلى حدٍّ لا يمكن حملها إلا بوجود شخصين على الأقل، وأحيانًا ثلاثة». وهؤلاء الثلاثة هم: الذات، والآخر، و«النقص» في حدّ ذاته، ذلك الشيء الذي لا يمكن إزالته. والحرية المتبقية لنا في هذه العلاقة: هل أتبنّى رغبة الآخر أم أقاومها؟ وهل أحتمل أن تُصادَر الرغبة المنسوبة إليّ أم لا؟ وهل نملك الشجاعة لأن نحبّ الآخر حتى حين يُخيّب الصورة التي رسمناها في البداية؟
لا بدّ لنا من أن نحبّ، كما قال فرويد، كي لا نمرض؛ غير أنّ الحبّ ذاته هو ما يُمرضنا. مسكين وضعيف من يظنّ أنه قادر على رفض الحاجة إلى الحب.
نعم، الحب حبل نجاة في عالم قاسٍ، لكنه قد يتحول في أي لحظة إلى حبل مشنقة، وهذا ما يفعله بنا من يحبّنا، في الغالب.
في الختام:
«كان تمرينًا فلسفيًا يرمي إلى اختبار مدى قدرة التأمّل في تاريخك الشخصي على تحريرك من أفكارك الصامتة، وفتح إمكانٍ للتفكير بطريقة مغايرة.»
ميشيل فكوكو*

تعليقات
إرسال تعليق