كانوا يطلقون ‏على هذا الخوف إسم الحياة.

 



بصفتي طفلاً صغيراً، كنت أشعر في قلبي بشعورين متناقضين: رعب الحياة ونشوة الحياة."

(بودلير)


"الحياة ليست سوى سلسلة من الأبواب الموصدة، ونحن نقضي العمر كله في تجربة مفاتيح صدئة."

(يانيس ريتسوس)


لأستاذة علم النفس وطب الإدمان «آنا ليمبكي» كتاب بعنوان «أمة الدوبامين»، قرأت العنوان قبل سنتين، لم أقرأ الكتاب إلى الآن، لكن بقي العنوان معي يذكرني بين الفينة والأخرى بحقيقة العالم الذي تورطنا فيه. في تصاعدٍ ملفت ومبهر فيما يخص الحياة الحديثة وسرعتها، أصبحت الدهشة وكل ما هو جديد هي ما يعيد تعريف الحياة «الجيدة»، أو بالأصح الحياة «المرغوبة».

بعد أن انتهيت من رواية سالي روني (Sally Rooney) الرائعة «Intermezzo - فاصل مسرحي» عادت لي الرغبة الملحة في الكتابة عن هذه النوعية من الأعمال الأدبية التي تعيد قراءة الحياة اليومية بصورتها المبتذلة بعيداً عن صخب ثقافة الدوبامين.


 ما الذي حدث لهذا النوع من الأعمال الأدبية التي تتأمّل في الحياة العادية و«المملة»؟ ما هو الملل في الأساس؟ وما الذي يمكن للملل أن يقدمه لنا؟ هذه الأعمال التي لطالما جذبني سحرها (لا أستطيع أن أحدد ما هو الجذاب بالتحديد في أعمال نجيب محفوظ، مارسيل بروست، دوستويفسكي، بيرل باك، زيدي سميث، بول أوستر).

«رحلة الاستكشاف الحقيقية لا تستلزم الذهاب لأراضٍ جديدة»، مارسيل بروست يذكّرنا، لأنّ «كل ما يستلزم هو الرؤية بعيون جديدة». وعندما أفكّر في اليوم العادي الرتيب، لا أستطيع أن أرى إلا هذه البديهية: وما الحياة إلا سلسلة من اللحظات المتقطعة من الرتابة. هكذا تنسج الحياة خيوطها.


 ربما القاسم المشترك بين الأعمال الأدبية التي أحبها أنها تتحدث -أو بالأصح- تذكرنا هذه الأعمال بأن الحياة تحدث «هنا والآن». الأعمال التي تحتفي بتفاصيل الحياة الروتينية وتعتمد على الحوارات المبتذلة واللغة البسيطة، لا أحداث كبرى، لا شيء خارج عن المألوف (هنا، يجدر بنا التساؤل: ما الذي نعدّه حدثاً كبيراً؟ ومن يملك سلطة تقييم أهمية أحداث حياتنا؟ وما الذي يمنح واقعةً ما أحقية الاهتمام؟). نعتقد بأن الحياة ربما تكون غداً، وربما تكون في ذاك المنتظر البعيد.. ربما وربما.. وهكذا تفلت منا الحياة دون أن ندرك هذا.. للأدب القدرة على تذكيرنا بأن الحياة هي هذه التفاصيل الصغيرة من لحظات الملل، الانتظار، الدموع، والكثير من التمسك بالأمل الزائف.


خذ على سبيل المثال هذه «الذات المكتملة» التي يتغنى بها الجميع، كيف تشكلت؟ وكيف خرجت بهذه الصورة النهائية؟ ما هي إن لم تكن إلا نتيجة هذه «الأيام» العادية؟ لحظاتنا من الشك والندم، الخوف والعار، والشهوة التي تمزقنا من الداخل؛ أيام نبكيها لأننا متعبون، وأيام ناجينا فيها الموت لأن الحب مرض جميل، لكن من الحماقة أن نرفضه! لا أعرف شكلاً آخر من الأيام إلا هذا الشكل. «كلُّ يومٍ هو حياةٌ مصغرة»؛ يكتب الفيلسوف شوبنهاور: «فكلُّ استيقاظٍ ونهوضٍ هو ميلادٌ مصغر، وكلُّ صباحٍ جديدٍ هو شبابٌ مصغر، وكلُّ ذهابٍ إلى الراحةِ والنومِ هو موتٌ مصغر». كل يوم هو قصة مملة، قصة نتعلم فيها أننا مصنوعون مما لا نفكر فيه أكثر مما نعتقد.



"كل من تقابله يسألكَ عن مهنتك وهل تزوجت 

وهل تملك منزلًا كما لو أن الحياة هي

قائمة مشتريات بقالة.

لا يسأل أحد أبدًا، هل أنت سعيد؟."

(قول منسوب للممثل هيث ليدخر)


"هي مجازفة كبرى،

أن تُطلق من قلبك غزالًا في غابة كهذا العالم،

حيث الرُّماة أكثر من الورد."

(سوزان عليوان)


ما الذي حدث للمتعة التي تأتي من محادثة مع صديق؟ أو لكوب من القهوة، أو اكتشاف أغنية جديدة؟ أو التعرف حتى على بيت قصيد يساعدنا على محاولة فهم وحشية العالم من حولنا؟ ما الذي حدث للحياة العادية؟ ومتى أصبحت الحاجة الملحة للهروب من دورة الأشياء المبتذلة؟ هل الحياة العادية لا تُطاق بطبيعتها، أم أننا مُنعنا من الاستمتاع بها؟ المفارقة في هذه التساؤلات أنها تحمل الإجابة في داخلها؛ فنحن نعتبر الأمر مُسلّماً به ضمنياً، لأن كل يوم عادي ممل سيجلب معه قدره الحتمي من خيبة الأمل. اعتدنا على الحياة اليومية التي أصبحنا بسببها أكسل من أن نطرح على أنفسنا: هل هذه هي الحياة التي أريدها؟ وما هي الحياة التي أرغب في عيشها؟ فقدت هذه الأسئلة بداهتها لنفس السبب الذي اكتسبت فيه هذه المُسلّمة؛ لأنها أمام أعيننا، أصبحنا غير معنيين بالتفكير فيها، ولأننا غير قادرين على التفكير أصبحنا ألعوبة سهلة في أيدي الجميع؛ في أيدي الرأسمالية، والمجتمع، والعائلة. قد يبدو من المنطقي في ثقافتنا التي تفيض بالرغبات، أن يبدأ المرء بالتساؤل عن طبيعة الحياة التي يطمح إليها، وتلك التي يتخيلها أو يظن أن «المال» وحده كفيلٌ بتحقيقها. ومع ذلك، يظل هناك هاجسٌ يؤرقنا ويلاحقنا باستمرار؛ وهو التساؤل عن تلك الجوانب والمسارات في حياتنا التي لا يمكن اختزالها في صورة سلعة.

 في عام ١٩٣٩ كتبت المحللة النفسية ماريون ميلنر (Marion Milner) في مذكراتها الشخصية «حياة تخص المرء وحده - A Life Of One's Own» عن حاجتها لـ «منهج لاكتشاف ما يحبه المرء وما يكرهه حقاً؛ منهج لإيجاد ووضع معيار للقيم يكون خاصاً بالمرء تماماً، وليس مجرد مجموعة قيم مستعارة أو قوالب مثالية مُنتجة بكميات تجارية». الصعوبة ليست في البحث عن منهج جديد ومختلف عن السابق كما تقول ماريون ميلنر، بل في التأكد من حقيقة رغبة المرء، ففي عالم يفترض فيه الجميع بأنهم يعلمون ما هي رغبتهم الحقيقية، يصبح المرء في حالة من الهلع بأنه الوحيد الذي ما زال في رحلة البحث عن ماذا يريد، الكل يرغب في شيء ما، والجميع يعرف ما هي رغبته إلا «أنا»، تقول في هذا السياق: «يقولون لك: "كُن على طبيعتك مهما كلف الثمن!"، لكنني اكتشفت أن معرفة حقيقتك ليس بالأمر السهل؛ إذ كان من الأيسر بكثير أن ترغب فيما يبدو أن الآخرين يرغبون به، ثم تتوهم أن هذا الاختيار نابعٌ منك». جميعنا بحاجة إلى طرح هذه الأسئلة الملحّة على أنفسنا بين الحين والآخر؛ فالحياة التي لا تخضع للفحص تفقد الكثير من قيمتها.


‏"راودها إحساس بأن حياتها الحقيقية كانت تُنسج أحداثها في مكان ما بعيداً عنها، ومن دونها، ولم تكن تدري إن كانت ستتمكن من العثور عليها والاندماج معها."

(سالي روني)


عودة للرواية؛ يمكن تلخيصها بكلمات بسيطة لمن يرغب في إجابة سريعة عن موضوع الرواية؛ تدور أحداث الرواية حول شقيقين من مدينة دبلن، بيتر المحامي والأخ الأكبر لإيفان، وإيفان الشاب صاحب الـ 22 عاماً، لاعب الشطرنج. تباعدت بينهما السبل بسبب اختلاف شخصيتيهما، لكنهما يجدان نفسيهما مجبرين على التعامل مع بعضهما بعد وفاة والدهما. هكذا تختلف بينهما الدروب والمشكلات، ويجمعهما الفقد والحداد. 

في الموت، المرض، الحب، الانفصال.. غالباً ما تذكرنا هذه الأحداث بالأسئلة الكبرى التي جاهدت ذواتنا للهروب منها، كما تقول شخصية بيتر في الرواية: «كان يعتقد يوماً أن الحياة لا بد أن تفضي إلى غايةٍ ما، وأن كل تلك الصراعات والتساؤلات العالقة تقود إلى ذروةٍ كبرى. يا لها من معتقداتٍ غريبة، لم تخضع يوماً للفحص الكافي، مع أنها شكّلت الركيزة التي قامت عليها حياته وشخصيته… ذلك التعلّق العبثي بالمعنى... تحت أي ظروفٍ يمكن للإنسان أن يحتمل الحياة؟» لا أحد يستطيع أن يجيب بالنيابة عنا.

 ميزة سالي روني الأدبية تكمن في رسم الحيوات وتشابكاتها المعقدة داخل متاهة الحياة؛ في الحد الفاصل بين الأمنيات والأحلام الخائبة، في الصمت الذي يقول عنا أكثر مما نقول عنه، في الوداعات المؤجلة والكلمات التي ابتلعها الخوف والكبرياء، في التناقضات الصارخة في قول «لا» عندما تعني «نعم». كل هذا هو ما يمنح الحياة قيمتها الثمينة. تختصر سالي روني في نص جميل هذا التركيب المتناقض: «...لا يمكن ببساطة تمزيق القيود والمضيّ في وجودٍ عبثي؛ فالآخرون يحولون دون ذلك. ومع هذا، لولاهم، لما وُجدت حياة أصلًا. فالأحكام واللوم والخيبة والصراع ليست سوى الروابط التي تُبقي البشر متصلين بعضهم ببعض».

الحياة تجربة -أو بالأصح- تراجيديا فريدة ومرض لا دواء له. نعلم أن الموت ينتظرنا في مكانٍ ما، لكن لا يهم، سوف نعيش الحياة «اليوم». تكتب سالي روني عن هذا: «تعلمُ أن الأمر مألوف: كلُّ حيٍّ ميتٌ لا محالة. الجميع، في النهاية… حتى إيفان. يا له من خاطرٍ غريب أن نُصرَّ على اختراع معنى لشيءٍ عابرٍ كهذا… للحياة».

المفارقة أنَّ الحياة التي نتمناها هي أيضاً شكلٌ من أشكال الحياة. كم «لو» قد همسنا بها لأنفسنا: لو حصلتُ على هذه الوظيفة، أو هذه السيارة، أو ذاك الحبيب، لربما كانت الحياة أقل بؤساً مما هي عليه الآن. كم مرة انتظرنا من المستقبل الآتي أن يأتي محملاً بالوعود الكاذبة؟ ربما لهذا «يسمّونه المستقبل الآتي»، هل لأنه لا يأتي أبداً؟ هذا الانتظار هو أيضاً طريقتنا للاعتذار من الحياة، من أننا لم نعشها بما فيه الكفاية؛ كما تكتب سالي روني في الرواية: «إنَّ التخيّلَ طريقةٌ أخرى للحياة؛ تلك التي لا توجدُ إلا في الخيال، بل إنَّ مجرّد التفكير فيها عيشٌ لها».


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحب كحبل نجاة... أو مشنقة.

ما الذي أتحدث عنه عندما أتحدث عن القباحة

لن أفعل شيئًا اليوم.