نُبالغ في تقدير الجنس.



Robert Krêzlak, Sunrise, 2018.


«إني أنا نفسي مادةُ كتابي أيها القارئ، فليس من المعقول أن تشغل وقت فراغك بموضوعٍ تافهٍ فارغٍ كهذا الموضوع.»

 ميشيل دو مونتيني*


كتبتُ هذا النص في ثلاث ساعات عام ٢٠٢٢ تحت تأثير الاكتئاب، وقلتُ لنفسي حينها إنني لن أنشره قبل ٢٠٢٦. أردتُ أن أرى مدى تغيّر أفكاري، وإلى أيّ حدّ يمكن للمرء أن يعتقد. ها أنا اليوم أنشره كما كُتب بالحرف، لم أغيّر فيه إلا الأخطاء الإملائية.


«فكرة وجود قارئ ترعبني.. أكثر من الرعب… لكنني أكذب أيضاً، لا يمكن أن يكتب أحد بدون أحد، دون أن يشاركه شخص ما هذا الضجيج الساري في روحه.»

فاطمة قنديل*


من أين نبدأ الحكايات؟ لا أريد أن أكون تقليدياً، ولا أريد أن أحكي قصتي بالشوكة والسكين. يقرأ الإنسان ما يريد، لكن لا يكتب إلا ما يستطيع. كيف سأكتب وأنا الذي لم أكتب يوماً عن نفسي، لم أدوّن أفكاري، لم أقدر على رواية قصتي من الحياة؟ فأن يكتب المرء، كما يقول ليسكانو، هو أن يروي لنفسه حياةً؛ لأن الحياة التي يحياها لا تروق له. أن يكتب هو أن يرغب في الاختلاف عن الآخرين، أن يؤمن بأنه يمثّل شيئاً ما، وأن عنده ما يقوله للآخرين. لكن ما الذي يمكن لي أن أقوله؟ ما الذي لم يُقَل؟

دائماً ما كانت انطلاقاتي ومنطلقات تفكيري عن ذاتي بتأثيرٍ من التحليل النفسي. يفقد الإنسان الكثير من براءته لحظة القراءة لصاحب الدماغ المختل فرويد. تقول إليزابيث رودينسكو في الكتاب الذي بدأت به مؤخراً: «التحليل النفسي، كعلم، يفترضُ تغيّر مركز الشخص الذي يمر بثلاثة احتكارات نرجسية: ألّا يكون بعدُ في مركز الكون، ألّا يكون بعدُ خارج العالم الحيواني، ألّا يكون بعدُ سيداً في مقر إقامته بالذات». أي أن الإنسان ليس مركزاً لهذا الكون، ولا ينفصل عن عالم الحيوان، ولا يملك ذاته كما كان يعتقد.

وبالعودة إلى عالم الحيوان، هذا العالم المحبّب إليّ، عالم الجنس الذي اكتشفه لي التحليل النفسي. كانت معرفتي بالجنس مشوّهة مثل الآخرين، الفرق أن الضغط الذي كان يمارسه الجنس أكبر من قدرتي على التحمّل. في النهاية أسلمت: إذا كان الرب موجوداً حقاً، فهو لا ينصدم أمام رغباتنا الجنسية. في المكان الذي عشتُ فيه كان الجنس غريباً علينا، لأن معرفتنا به لا تتمّ عن طريق التوعية أو التحذير، بل عن طريق الاغتصاب والتحرشات والتهديدات؛ الكبار منا يغتصبون الصغار في الساعات المتأخرة من الليل تحت رقابة الجميع، بدون القدرة على الاعتراض أو حتى مجابهة القوة.

بعد سنوات، أصبح فعل الاغتصاب يثير فيّ الرغبة الجنسية. لهذا انجذبت بسهولة إلى عالم دو ساد. من المرة الأولى التي قرأت فيها رواية جوستين، علمتُ أنني سأكون في الجحيم بدون أدنى شك، وبعد قراءة «أيام سادوم - مدرسة الخلاعة» علمتُ بقدرة هذا الكاتب الملعون على أن «يواجه الاهتزاز الأخلاقي والجسدي، الذي هو مصدر لذة الشهوة الجنسية». يمثّل الاغتصاب القدرة والقوة؛ أن تَغتصب هو أن تقدر، ومن يملك جسد الآخر يمتلك السلطة عليه. هذا ما تعلّمته. كتبتُ مرّة في أحد حساباتي أن مشاهد الاغتصاب في الروايات والأفلام تثيرني، لكنني كنتُ أعلم جيداً أن المثير ليس مشهد الاغتصاب في حدّ ذاته. فهمتُ الآن ماذا كان يقصد بروست بقوله: ماضينا بندوبه يحدّد مستقبلنا. كتب لي أحدهم: يوجد تفسير لهذه الرغبة. وبكل أمانة، لا أتذكر هل بحثتُ عن هذا التفسير أم لا.

في مراهقتي — أكره تلك التسمية التي تثير فيّ ماضياً لا أحبه، آه لو أستطيع أن أجتثّه من الزمن — كنت دائماً أشعر بالغضب من نفسي، من شبقي، من شهوتي المتعبة المستمرة، هذه الشهوة التي لا تطلب إلّا المزيد والمزيد والمزيد. أفسدت علاقاتي مع الرب. أولى مشاكلي كانت مع الدين بسبب الجنس. كان السؤال البسيط الموجَّه إلى الله، حيث لا مجيب: «لماذا يا ربّ تطلب مني فوقَ طاقتي وأنت الذي قلتَ لا أكلّف النفس إلا وسعها؟».

في ذاكرتي مشهدٌ طُبع إلى الأبد. في رواية السراب لنجيب محفوظ، كان البطل كامل رؤبة شديد الإيمان، ليس بالله فقط، بل بالتعاليم الدينية. لكن بعد اكتشافه لـ«هواية الصبا الشيطانية» عكف عليها في إدمان و«أفرط إفراط جاهل بالعواقب». ومنذ تلك الساعة أمضى الألم يكدّر صفوه. كتب محفوظ يصف هذا الصراع: «وليس أشقى من أن يقرعك الندم وأنت ذو إيمان». رغم بداهة النص، كانت صفعة الإدراك لي. في كل مرة أنتهي من العادة السرية يأكلني الندم ويمزّقني الضمير. أنا الذي كنتُ آنذاك طالباً في تحفيظ القرآن، أطلب من مدرّسي الشيخ سعد المولد أن يريح ضميري في كل مرة أسأله: حكم العادة السرية، هل هو حرام أم مكروه؟ كنتُ أعتقد وقتها أن المكروه أقلّ مرتبة من الحرمة.

كانت العادة السرية تعني لي أكثر من مجرد المتعة. كانت الهروب من الواقع، من المكان، من الزمن، من القيد المفروض على وجودي. والحقيقة أنني لم أكن أستطيع الخلوة بنفسي أبداً، حتى في الحمّام. في غرفتي كان يتواجد أكثر من عشرة أشخاص، جميعنا ننام في وقتٍ واحد في تمام الساعة العاشرة، وعند الذهاب إلى الحمّام للاستحمام يقف المراقب عند الباب يذكّرنا بأن المدة المسموحة لا تتجاوز خمس دقائق. كانت هذه الممارسة تهدف لمراقبتنا بشكل متواصل. كنت أختلس الذهاب إلى الحمام قبل الصلوات، وهي الفترة الوحيدة التي كنت قادراً فيها على الاستمناء بدون مضايقة، رغم الخوف. كانت الطريقة الوحيدة الممكنة لي. وهكذا كنتُ أُذنب وأُذنب من دون توقّف، ما أعطب وشوّه كل لذة من لذاتي.

أعود إلى رواية السراب، هذه الرواية التي قرأتها على مدار السنوات وما زالت تذكّرني بالعذاب، بوعيي الجنسي الأول. معرفة الجنس شيء، والوعي بتعقيداته شيء آخر. من لحظة القراءة الأولى، علمتُ أنني لا بدّ أن أبدأ بالقراءة في التحليل النفسي، ولا بدّ أن أعرف ذاتي ولو أدّت هذه المعرفة إلى انقلابة متطرفة. كتب ريتشارد رورتي بعد قراءته في التحليل النفسي: «المشكلة أن الحب، وبالتالي الشجاعة والجبن، التضحية والأنانية، الجنس والدين، تبدو مختلفة بعد قراءة فرويد». لم أهتم بالتحليل النفسي كطالب علم أو دارس له؛ أعتقد أنني كنتُ سعيداً بكوني المريض. الآن، وأنا أكتب في هذه المدوّنة، أفهم أن فضولي المعرفي ما هو إلا تقنّع لفضولي الجنسي وشبقيتي التي لا يمكن لها أن ترتوي. وما القراءة لأدبيات التحليل النفسي إلا قراءة في «البذاءة العلمية» كما كتب المنتقدون.

أعادت لي القراءة في التحليل النفسي تعريف هذه الأنا الممزّقة بين ما تريد وما تكون، ووضّحت لي المسافة بين صورتها المثالية وصورتها الحقيقية. لا أنكر، كانت رحلة سيئة ومرهقة حدّ الإعياء. محاولة الدخول في هذا القاع، في جليد اللاوعي، محفوفة بالكثير من المخاطر، ولم أكن أعلم بما سوف أنتهي إليه. قال فرويد مرة لمريض اسمه بانكييف: «سعيتَ لكشف أصل مرضك بالتفتيش في دلو الخراء». نعم، أنت تبحث في كومة من الخراء، ولا تعلم هل ستجد ما تبحث عنه أم ستظلّ تبحث وتبحث عن جودو. ولأقول الحقيقة، التحليل النفسي رحلة بحث لن تنتهي أبداً؛ سيتحوّل هذا البحث مع الوقت إلى منهج وأسلوب في الحياة، نظام تفكير كامل الأهلية. عرّف فرويد المعالجة التحليلية النفسية بأنها «تربية متدرّجة للتغلّب على رواسب الطفولة لدى كل واحد منا». وحتى نولد من جديد، يجب أن نبدأ من طفولتنا.

أكثر ما يثير في نفسي الرثاء أنّ المسافة بين الشخص الذي كنتُه والذي أصبحتُه باتت مع الوقت واسعةً حدّ الاكتئاب من ذاتي. في بعض الأحيان أحدّث نفسي: لو عاد بي الزمن، لن أقرأ أبداً لهذا المخرّب الكبير الذي لقّب نفسه مرّة بأنه محامي الشيطان دون أن يُسلّم نفسه للشيطان. هو الذي كتب ساخراً: «أتمنى رحلةً ميمونةً في الأعالي لأولئك الذين لم يتحمّلوا، على المدى الطويل، الإقامة في العالم السفلي للتحليل النفسي. وكلُّ رجائي أن يتمكّن الآخرون من إنجاز عملهم في الطبقات العميقة من هذا العالم بدون أن يضايقهم أحد». والسؤال الذي طرحه في إحدى مقالاته: ما الفائدة من المعرفة؟ أي ما الفائدة من معرفة الحقيقة التي لا نستطيع تغييرها، لأنها لا تعطينا سوى الإدراك البغيض عن الواقع الذي لا حيلة لنا أمامه؟ يقول إنّ لدى بعض المرضى آلية دفاعية تحاول الكسب من المرض نفسه. ولتحرّي الدقة في نظر فرويد، لم يكن للتمارض من وجود لسبب وجيه: جميع العصابيين متمارضون، والعكس بالعكس، حيث إنهم يتمارضون من دون أن يعلموا بذلك. وهذا تحديداً هو مرضهم. وبصياغة أخرى، تصوّر التمارض أمر لا يُصدّق: فلا يتمارض المرء إلّا بما هو فيه.

في البداية لم أكن أفهم اكتئابي، أو بالأصحّ لم أعلم بوجوده. لم أفهم السبب العميق لعذاباتي وإخفاقاتي، وللأسف لم أتعرّف عليه إلّا تحديداً عندما، بعد سنوات، راحت السقوف والجدران تنهار فوق رأسي، وبأن الدعائم كانت مدمّرة ملغومة منذ فترة طويلة. العصاب النفسي مؤلم، لكنّ معالجته أكثر إيلاماً، لأن العلاج يتطلّب تغيير شروطه المسبّبة. وكيف يكون هذا؟ ما فائدة معرفة ذاتي حيال كل هذا العجز أمامها؟ لا شيء. الجيد في التحليل النفسي، كما يقول فرويد، أنه لا يعدك بالسعادة؛ يمكن أن تتخلّص من الاكتئاب، وأن يتحوّل هذا الاكتئاب إلى تعاسة عادية. وهذه واحدة من مقولاتي المفضلة: أن الحياة ما هي إلا تعاسة علينا أن نعتاد عليها.


«أريد أن أصلّي، علّمني أبي الركعة الأولى، وضحكتُ جداً على السجادة لأنني خفتُ من الله، والله لم يأتِ إلى قلبي»

حسن مطلك*


علاقتي مع الدين معقّدة وسيئة، علاقة قائمة على الخوف من الموت. أتذكّر جيداً نوبات الإغماء وأنا أصلّي في عمر الحادية عشرة خوفاً من الموت. لم أكن متديناً، كنتُ خائفاً من أن ينبذني الله. والليالي التي دعوتُ فيها الله ألّا يعذّبني في النار لم تكن رغبةً في الجنة، بل خوفاً من أن أكون من الذين لا يرون وجهه يوم الآخرة. ما كان يبكيني في الصغر كلما أشاحت عن وجهي مربيتي تغريد، هو ما كنتُ أخاف أن ألقاه يوم القيامة: أن أتذكّر أنني لستُ محبوباً. علاقتي مع ذاتي هي ما كانت تشكّل علاقتي مع الله. تطلّب مني قدراً من الشجاعة حتى أعترف بأنني غير متديّن، وبأن الدين لم يكن سوى عصاب ينخر في جسد الرغبة، حوّلني إلى جثة من العدم. الآن انكفأ ربّ الطفولة في حجرة، كأيّ مريض عجوز، لم يعد قادراً على تأدية وظيفته كما كان من قبل. ذهب الدين. وذهابه على يد التحليل النفسي يعني أنه لن يعود مرّةً أخرى.

لم يعد للدين أيّ سلطة، هذه السلطة الأبوية والوصاية المتمثّلة في كيف يجب لي أن أكون أو ماذا أكون. تعلّمتُ الدرس الكبير من هذه التجربة: يجب أن أقتل الأب، أو أن أكون على أتمّ الاستعداد لقتله متى ما وُجد. الأب المتمثّل في صورة الله، أو المعرفة، أو الدولة. في التحليل النفسي، الاعتراف بالخطايا لا يشكّل إلا القليل من المهمة في العلاج؛ أكثر المهام أهمية تكون في هدم الصورة الأبوية التي تفلت من الاعتراف.

أعترف، وبعد كل هذا، بأن الجنس ما زال شغفي واهتمامي، وحتى مائدة الحوار تبدأ منه. ليست هي نفسها مائدة أفلاطون التي تتحدث عن إيروس، الحب الروحي والسماوي؛ مائدتي تتحدث عن الدنس والدنيوي والمبتذل والقذر. لا أخجل من الاعتراف علناً والكتابة عن هذا. أنا أشتهي إذن أنا موجود. أنا أرغب إذن أنا أوجَد.


  (انتهى)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


كانت هذه تجربتي الكتابية الأولى. أعتقد أنني مدين لنفسي أن أكتب عن نفسي، لا لشيء إلا للتعبير عمّا أعتقد أنه حقيقتي في الحياة. ما حمّسني على ترك هذه التدوينة كل هذه المدة هو كتاب «الحكمة التراجيدية» لميشيل أونفراي؛ ذكر أنه كتبه بعمر ٢٨ سنة ولم ينشره إلا بعد سنوات. هل لما كتبتُ أيّ قيمة تُذكر؟ لا أعلم. لكن من الجيد تذكّر ما قالته فلانري أوكونور: «إذا نجوتَ من طفولتك، فلديك ما يكفي لتكتب عنه طوال حياتك».

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الحب كحبل نجاة... أو مشنقة.

ما الذي أتحدث عنه عندما أتحدث عن القباحة.

لن أفعل شيئًا اليوم.